محمد بيومي مهران

20

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وهكذا تمر الأيام بالرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - وهو على هذا العهد ، يأتيه الوحي نجما بعد نجم ، وكتاب الوحي يسجلونه آية بعد آية « 1 » ، حتى إذا ما كمل التنزيل ، وانتقل الرسول الأعظم - عليه الصلاة والسلام - إلى الرفيق الأعلى كان القرآن كله مسجلا في صحف - وإن كانت مفرقة لم يكونوا قد جمعوها فيما بين الدفتين ، ولم يلزموا القراء توالي سورها « 2 » - وفي صدور الحفاظ من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - هؤلاء الصفوة من أمة محمد النبي المختار ، الذين كانوا يتسابقون إلى تلاوة القرآن ومدارسته ، ويبذلون قصارى جهدهم لاستظهاره وحفظه ، ويعلمونه أولادهم وزوجاتهم في البيوت ، حتى كان الذي يمر ببيوت الأنصار في غسق الدجى ، لا يسمع فيها إلا صوت القرآن يتلى ، وحتى كان المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - يمر على بعض دور الصحابة ، فيقف عند بعضها يستمع القرآن في ظلام الليل ، وحتى روي عنه ( صلى اللّه عليه وسلّم ) أنه قال : « إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالليل بالقرآن ، وإن كنت لم أر منازلهم بالنهار » [ رواه الشيخان ] . ومن هنا كان حفاظ القرآن الكريم في حياة الرسول ( صلى اللّه عليه وسلّم ) لا يحصون ، وتلك - ويم الله - عناية من الرحمن خاصة بهذا القرآن

--> ( 1 ) لعل أشهر كتاب الوحي - والذين يقال أن عددهم بلغ تسعة وعشرين كاتبا - الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة والزبير بن العوام وشرحبيل وعبد اللّه بن رواحه ( أنظر فتح الباري 9 / 18 ) وكانوا يضعون ما يكتبونه في بيت النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم يكتبون لأنفسهم منه صورا أخرى يحفظونها لديهم ( البرهان 1 / 238 ، الاتقان 1 / 58 ، محمد عبد اللّه دراز : المرجع السابق ص 34 - 35 ، من روائع القرآن ص 49 - 51 ) ( 2 ) الاتقان في علوم القرآن 1 / 59 ، البرهان في علوم القرآن ص 235 ، مقدمتان في علوم القرآن ص 32 ، مقدمة كتاب المصاحف لآرثر جفري ص 5 ، محمد حسين هيكل : حياة محمد ص 49 - 50